سيد قطب

1873

في ظلال القرآن

من صورها الكثيرة . وإن بدت في ثوب من الحضارة المادية قشيب « 1 » . وهي انتكاسة للبشرية من غير شك ، لأنها تصغر من القيم التي بها صار الإنسان إنسانا ، واستحق الخلافة في الأرض ، وتلقى الرسالة من السماء ؛ وترجع به إلى قيم أقرب إلى الحيوانية العضلية الفيزيقية ! « بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ » . . . وهي التهمة الأخيرة يقذفون بها في وجه الرسول وأتباعه . ولكنهم على طريقة طبقتهم . . « الأرستقراطية » . . يلقونها في أسلوب التحفظ اللائق « بالأرستقراط ! » « بل نظنكم ! » لأن اليقين الجازم في القول والاتجاه من طبيعة الجماهير المندفعة - بادي الرأي - التي يترفع عنها السادة المفكرون المتحفظون ! إنه النموذج المتكرر من عهد نوح ، لهذه الطبقة المليئة الجيوب الفارغة القلوب ، المتعاظمة المدعية المنتفخة الأوداج والأمخاخ ! ! ويتلقى نوح - عليه السلام - الاتهام والإعراض والاستكبار ، في سماحة النبي وفي استعلائه وفي ثقته بالحق الذي جاء به ، واطمئنانه إلى ربه الذي أرسله ؛ وفي وضوح طريقه أمامه واستقامة منهجه في شعوره . فلا يشتم كما شتموا ، ولا يتهم كما اتهموا ، ولا يدعي كما ادعوا ، ولا يحاول أن يخلع على نفسه مظهرا غير حقيقته ولا على رسالته شيئا غير طبيعتها . . « قالَ : يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ، وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ . أَ نُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ ؟ وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ، وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا ، إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ ، وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ . وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ؟ وَلا أَقُولُ لَكُمْ : عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ، وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ، وَلا أَقُولُ : إِنِّي مَلَكٌ ، وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ : لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً . اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ ، إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ » . . « يا قوم » . . في سماحة ومودة بندائهم ونسبتهم إليه ، ونسبة نفسه إليهم . إنكم تعترضون فتقولون : « ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا » . . فما يكون رأيكم إن كنت على اتصال بربي ، بيّن في نفسي مستيقن في شعوري . وهي خاصية لم توهبوها . وإن كان اللّه آتاني رحمة من عنده باختياري للرسالة ، أو آتاني من الخصائص ما أستحق به حمل الرسالة - وهذه رحمة ولا شك عظيمة - ما رأيكم إن كانت هذه وتلك فخفيت عليكم خفاء عماية ، لأنكم غير متهيئين لإدراكها ، وغير مفتوحي البصائر لرؤيتها . « أنلزمكموها ؟ « 2 » » إنه ما كان لي وما أنا بمستطيع أن ألزمكم الإذعان لها والإيمان بها « وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ » ! وهكذا يتلطف نوح في توجيه أنظارهم ولمس وجدانهم وإثارة حساسيتهم لإدراك القيم الخفية عليهم ، والخصائص التي يغفلون عنها في أمر الرسالة والاختيار لها : ويبصرهم بأن الأمر ليس موكولا إلى الظواهر

--> ( 1 ) في أمريكا اليوم يقاس الرجل يدخله ، ويوزن برصيده في البنك ! ! ! وموجة الجاهلية الوثنية تطغى من أمريكا على العالم حتى في الشرق الذي يزعم أنه مسلم ! ! ! ( 2 ) جاء في كتاب : « التصوير الفني في القرآن » في فصل التناسق الفني أن اللفظ في القرآن قد يرسم بجرسه صورة كاملة . ومن أمثلته أنك « تتلو حكاية قول نوح : « أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ، وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم . أنلزمكموها وأنتم لها كارهون ؟ » فتحس أن كلمة « أنلزمكموها » تصور جو الإكراه بإدماج كل هذه الضمائر في النطق وشد بعضها إلى بعض ، كما يدمج الكارهون مع ما يكرهون ، ويشدون إليه وهم نافرون ! وهكذا يبدو لون من التناسق أعلى من البلاغة الظاهرية وأرفع من الفصاحة اللفظية . . .